سيد محمد طنطاوي
524
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وعلى القول الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو « منتصرا » . أي : لم يكن انتصاره واقعا هنالك « 1 » . وقوله - سبحانه - : * ( هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً ) * أي : هو - عز وجل - خير إثابة وإعطاء لأوليائه ، وخير عاقبة لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى . وعاقبة الأمر : آخره وما يصير إليه منتهاه . و « ثوابا » و « عقبا » منصوبان على التمييز ، بعد صيغة التفضيل « خير » التي حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك - رحمه اللَّه - : وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر وبذلك نرى أن هذه القصة التي ضربها اللَّه - تعالى - مثلا للأخيار والأشرار قد بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين وحسن عاقبة الشاكرين المتواضعين ، كما بينت لنا الآثار الطيبة التي تترتب على الإيمان والعمل الصالح ، والآثار السيئة التي يفضى إليها الكفر وسوء العمل ، كما بينت لنا أنّ المتفرد بالولاية والقدرة هو اللَّه - عز وجل - فلا قوة إلا قوته ، ولا نصر إلا نصره ، ولا مستحق للعبادة أحد سواه ، ولا ثواب أفضل من ثوابه ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التي يقدرها لهم ، وصدق - سبحانه - حيث يقول : * ( هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّه الْحَقِّ ، هُوَ خَيْرٌ ثَواباً وخَيْرٌ عُقْباً ) * . ثم تنتقل السورة الكريمة من ضرب المثل الجزئي الشخصي ، إلى ضرب مثال آخر عام كلى ، فبينت أن الحياة الدنيا في قصرها وذهاب زينتها . . كتلك الجنة التي أصبحت حطاما ، بعد اخضرارها وكثرة ثمرها ، كما بينت أن هناك زينة فانية ، وأن هنالك أعمالا صالحة باقية قال - تعالى - : [ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 45 إلى 46 ] واضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناه مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِه نَباتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوه الرِّياحُ وكانَ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( 45 ) الْمالُ والْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا والْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وخَيْرٌ أَمَلًا ( 46 )
--> ( 1 ) تفسير أضواء البيان ج 5 ص 108 .